
بسم الله الرحمن الرحيم
مافتئت أفكر بحال الانسان وطبائعه واساليبه وطرق تفكيره واتخاذه للقرار وغير ذلك من الكثير والكثير من طبع هذا الانسان الضعيف ,, ,, كبرهان يثبت اهتمامي البليغ في الانسان وطبائعه ,, وكان من اهتمامي في هذا المخلوق أن اطلعت على الكثير من الكتب التي تتناول الانسان وجوانبه ,, من ضمنها كتاب لكاتب فرنسي اسمه الكسيس كارليل بعنوان(( الانسان ذلك المجهول))وغير ذلك من الكتب التي تتناول شأن الانسان وطبائعه وتفسيرات تصرفات ودوافع سلوكه ,, ولاشك أن الطلاع على الانسان ومعرفة جوانب ضعفه وكيفية تفكيرة بدقة تتيح لك الكيفية والقدرة على التصرف السليم تجاهه .
ماهو مهم في موضوعنا هذا هو أنني كثيراً ماأسمع من حولي من الناس حينما يشتكون من واقع الناس ,, وأن الانسان اصبح يخاف من حوله وليس الناس كما هم بالماضي ,, ويأتي الينا آخر ويقول الناس تغيرت وفيها كذا وكذا ,, ويأتي آخر حينما ينظر عدم وفاء الرجال وعدم التضحية وغيرها من قيم سامية يطالعنا احدهم ويقول ((الرجال بالمقابر)) ,, كناية عن أن الرجال الذين يعتمد عليهم قد ماتوا ولم يبقى الا اناس لايعرفون المعروف ولا القيم الجميلة والاصيلة ,, وغير ذلك من مقولات شائعة في وسطنا يرددها الناس دوماً ,, وربما نميل الى كلامهم قليلاً بان طريقة عيش الانسان قد تغيرت واستجدت ودخلت ثقافات معينة داخل المجتمع واثرت في سلوكياتنا واساليبنا وكيفية تعاملنا ,, فثقافة الغرب المسيطرة والمحمولة على عربة العولمة الينا قد اشاعت لدينا شيئاً من الفردية والابتعاد عن الجماعية وغير ذلك من امور ,, الا أن الحقيقة ان الثقافة المستوردة لم تؤثر فينا ذلك التاثر الجذري والملحوظ بل تأثيراً طفيفاً جداً ,, دعونا نعود ونقول هل فعلا كلام الناس صحيح الناس تغيرت وانها ليست بأفضل من الامس وأن الامس هو افضل من اليوم ,, هل صحيح أننا تغيرنا ولم نصبح نساعد جارنا أو نرحم المسكين أو نعطف على الصغير أو نحترم الكبير أو نقدر الشيخ ,,, هل القيم سقطت كما يقول الناس !!؟ .
الجواب في نظري لا الانسان هو الانسان هذه طبائعه منذ أن خلقه الله تعالى منذ أن أخطاء ابينا ادم واكل من الشجرة منذ أن قتل قابيل هبيل ,, الانسان طبعه ناكر للمعروف قليل الوفاء قليل الشكر كثير النسيان كثير الاخطاء فالانسان الذي قبل الفين سنة هو الانسان نفسه الذي هو عام2007,, لم تتغير طبائع الانسان ابداً وصفاته ,, ولم يكن بالامس كامل الصفات واليوم قد انزاحت الصفات عنه ,, لذلك يقول ابوالعلا المعري :
وهكذا كان اهل الارض مذ فطروا .؛. فلا يظن جهول أنهم فسدوا
وهنا أبالعلا المعري يحدثنا عن حال الناس منذ خلقتهم للبشرية الى وقته الذي ولد فيه عام 363 هجري ,, اي في القرن الرابع الهجري ,, وفي وقتها الناس بدؤا يشعرون ان المجتمع كله فاسد وكله منحل ,, وكان مجتمع ابا العلا يعتقدون أن المجتمع الذي قبله كان خيراً منهم ,, كما هو الحال في مجتمعنا الذي يظن أنا مجتمع الاباء والاجداد هو افضل من مجتمعنا,, ولكن اباعلا الفيلسوف الكبير يقولا لا لاتظنوا انهم فسوا فأهلا الارض منذ أن طلعوا وهم فاسدين بتصرفاتهم ,, وعلى ذكر مجتمع الاباء والاجداد ,, هناك الكثير من الشعراء والفنانين والادباء قبل اربعين سنة أو ستين سنة في عز مجتمع اجدانا من كانوا يشكون مجتمعهم وأن المجتمع الذي بينهم سيء وأنك اصبحت لاتأمن الناس وتخاف شرهم بالنفس اللهجة التي تقال الان عن مجتمعنا فلذلك يقول الفنان بشير حمد شنان في اغنيته التي بعنوان ((عند باب المدرسة)) وهي اغنية مغناة قبل اربعين سنة في مجتمعنا السعودي :
قال ابشر بس احلف لي يمين .؛. ماحد(ن) يدري بنا من العالمين
لأن بذا الوقت ماتلقى امين.؛. ومن حلف بالله لازم يستخير
فهاهو بشير الذي توفي قبل ثلاثين سنة تقريباً ,, يغني كلمات تقول أنه في هذا الوقت لاتلقى امين وليس هناك من يستحق الامانة ,, فهذا الزمن هو الذي يطالب فيه الناس ان نرجع اليه وانه هو الزمن الرائع والجميل وفيه القلوب نظيفة من كل شي وهي في الحقيقة نفس قلوبنا كما وصفها بشير .
وكذلك يقول عباس محمود العقاد الاديب المصري الكبير ((كنت اتعب في معاملتهم ثم عرفت ماانتظره منهم فأرحت نفسي من التعب . . واتخذت شعاراً لنفسي معهم : (( ألا تنتظرمنهم كثيراً,, ولاتطمع منهم في كثير ))
والعقاد هذا في مجتمعه المصري قبل خمسن سنة تقريباً فهاهو الاديب الكبير وأديب زمانه والذي لاتزال الناس تبحث عن كتبه ,, وهو الفيلسوف والموهوب والمثقف ايما ثقافة والذي عرف وبصر بالناس يشكي حال الناس ويتبرم منهم ويتخذ شعاراً لنفسه بالا ينتظر منهم كثير ولايطمع مافي ايديهم كثيرا .
ولو رجعنا الى التاريخ لوجدنا كثيراً من المواقف التي تخوف الانسان من اخيه الانسان والذي يشير إلى انه في ازمة معهم وأن زمانه قد فسد ,, وليس الحقيقة ان الزمان فسد بل ان الانسان هذا هو طبعه وهذا مصيره وهذا تعامله ,, فيقول استاذي ابن حزم رحمه الله تعالى :
لاتصرّف ثقةٍ في احد .؛. فسد الناس جميعاً والزمن
وهاهو الشيخ الكبير العالم الفذ المتبحر في اصناف العلوم و, يشعر ان جيله وزمانه وناسه قد فسدوا فلا تصرّف ثقة في اي شخص من احد ,, وكأن شيخنا يقول في هذا القول أن الناس كانوا صالحين والان هم فسدوا فعليك حذارهم ,, وبالرغم من ذكاء الشيخ وتبحره في العلوم الا أنه يشعر أن الانسان قد فسد في زمانه وكان في السابق افضل ,, رغم اطلاعه على العلم ومعرفته في طبائع الانسان وتكوينه ,, وهذا واضح في كتبه رحمه الله ,, ولكن من يعرف نشأة ابن حزم وخصوماته مع اعداءه ومحاربة البعض له يدرك أن الشيخ مرّ بأزمات كبيرة جعلته يحنق على ابناء زمانه وهذا في العصر الخامس الهجري .
ويقول الاديب السعودي محمد حسن فقي :
أني بلوت الناس من قدم .؛. فشقيت في صغري وفي كبري
ولقد وثقت فضعت من ثقتي .؛. حتى اهديت بهم الى حذري
واختم بالابيات من ابيات سيد الحكمة وملكها الشاعر الكبير والشاعر العربي القدير الذي عاش في القرن الرابع الهجري ,, حيث يقول :
ومن عرف الايام معرفتي بها .؛. والناس ورى رمحه غير راحم
إذاً هنا نماذج كثيرة من ادب العصور تتحدث عن سؤ زمنها وعن انحدار اهله , ,فكل فرد يشكو حال اهل زمانه وأن الزمان الذي سبق هو الزمان الافضل وهو النموذج الامثل ,, ولكن الحقيقة أن الزمان نفسه والناس نفسهم والطبائع نفسها فما كان قبل خمسين سنة وقبل مائة سنة وقبل خمس مائة سنة وقبل الف سنة الطبائع ذاته واساليب الانسان واخطائه هي نفسها ,, والقران تحدث لنا عن الانسان بأسهاب ووصف لنا اساليبه وطبائعه وتصرفاته ,, ولو ادرك الناس طبع انفسهم لأدركوا أن الزمن الماضي هو ذاته نفس الحاظر .
لكن هناك سؤال ملح لماذا الشكوى هل هناك سبب أو تفسير ؟ ,, الجواب من وجهة نظر متواضعة أن الانسان بطبعه يحب الهروب من الواقع لذلك يهرب الى الماضي فهو حينما يتذكر الماضي فهو يتذكر بعض النماذج الجيدة والاساليب الجميلة التي صادفها في حياته ,, فهو يذكر التكافل بين الناس ويذكر المساعدة بين الاخوان ويذكر الكرم ويذكر ((الفزعة )) وغير ذلك ,, لكنه ينسى المصائب ينسى ذلك الانسان الخائن وذلك الانسان البخيل وذلك الانسان الغير وفي ,, وذلك الانسان الذي ينسى المعروف وجميل الصداقة ,, وربما كان الواقع الذي يعيشه يجعله يغضب ومن ثم يحاول الهروب الى الماضي ,, لكي يصب جام غضبه على واقعه ويقول ان الزمن الماضي هو افضل من الحاضر ,, وينسى ذلك الانسان الايجابيات في واقعه ينسى ان هناك الكثير من مد يد العون اليه ومن خدمه ومن عمل له معروفاً ومن اسدى اليه خدمة ومن اكرمه ومن رفع مقامه وغير ذلك ,, ثم أنه سيكبر هذا الانسان فبعد عشرين سنة أو ثلاثين سيقول عن هذا الزمن الذي تخطاه والذي يسبه الان أنه زمن رائع وتأتي في ذاكرته المواقف الايجابية التي نسيها الان وسيذكرها مستقبلاً حيت سيسب زمنه القادم ,, وبمناسبة هذه الجدلية ,, اليس هناك منا أو اغلبنا يقول أن الزمن الماضي هو احلى من الزمن الحالي ,, ربما كلنا نقول ذلك ,, هل تعلمون مالسبب ,, إن السبب الرئيسي هو أننا نتألم من واقعنا ونهرب الى ماضينا ونتذكر المواقف الجميلة والذكريات السعيدة ,, ولو كنا منصفين حقاً ورجعنا بذاكرتنا كلها الى الماضي لوجدنا أن ذلك الماضي مليئ بالمصائب وربما أن المصيبة التي في الماضي هي أشد من الحاظر ,, وبذكر الماضي يقول الفنان علي بن محمد :
الاليت الزمان يرجع ورى والليالي تدور .؛. ويرجع وقتنا الاول وننعم في بساطتنا
زمان اول احس انه صدق فيه شعور .؛. نحب ونخلص النيه وتجمعنا محبتنا
زمان مافيه لاغيبه ولاحتى نفاق وزور .؛. زمان ياليته بس يرجع ونسترجع طفولتنا
فاهذه الكلمات المغناة للشاعر فيصل اليامي يتبرم من زمنه الحاظر ويتمنى عودة ذلك الزمان الجميل الذي عاشه والذي يشعر انه افضل مما هو عليه الان ,, فهو هنا لايتذكر الا الماضي وينسى الحاظر وجمائله وينسى مصائب الماضي ,, إنها عملية الهروب من الواقع ليس الا ,, والحال نفسه حينما نقول أن الانسان أو الناس قد تغيروا واصابهم ماأصابهم وأن الناس في السابق هم أفضل من الناس الحاليين ,, والحقيقة هي أن الناس هم ذاتهم في السابق وفي الماضي وسيبقون كذلك منذ ان خلق الله ادم وحواء الى أن تقوم الساعة ,, ولكي تتأكدوا أرجعوا الى وصف الله وهو العليم الخبير المطلع ,, فكيف يصف لنا حال الانسان وطبائعه ,, والقران نزل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الصحابة والقران عام منذ نزوله الى أن تقوم الساعة .