السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أحب أن أحيي الجميع في هذا المنتدى الجميل الرائع، والذي تشرفت اليوم بالانضمام إليه، وأحب أن أهذي لكم أول مشاركاتي التي هي خاطرة من أفكاري، أرجو من الله أن تحوز على استحسانكم وإعجابكم...
بســـم الله الرحمــــــن الرحـــيم
يرى البعض منا أن التغيير من أهم الإنجازات التي يجب عليه أن يقوم بها في مشوار حياته، ويرى البعض الآخر أن من الأفضل والأسلم له الاستمرار في عاداته التي ظل يكررها لسنوات طويله من دون أن يهتم بما يتغير حوله من ظروف ومن غير أن يبالي بما يواجه حياته من تغيرات وتحولات، وكأن لسانه حاله يقول "تغيير العادة يقلل السعادة" – وبالمناسبة، هذه بلا شك مقولة خاطئة. ومع ذلك، لا يجد من يفكر بهذه الطريقة مفرا من أن يقوم بتغيير ما في وقت من أوقات حياته، وإن لم يتفق هذا التغيير بالضرورة مع هواه ورغباته.
ولو سألنا أنفسنا، لماذا نحتاج دوما إلى التغيير؟
إن الله عز وجل حين خلق البشر أوجد لهم سننا وثوابت لا تتغير ولا تتبدل مع مر العصور وانقضاء الدهور، مثل الليل والنهار والشمس والقمر، والجبال والبحار، والخير والشر ... وغيرها من الثوابت الحسية والمعنوية التي لا تتغير ولا تتبدل على مدى الأعوام والسنين، ليس هذا فحسب بل أن تغيرها يؤذن بقيام الساعة وانتهاء الكون أجمع ومثال ذلك طلوع الشمس من مغربها في أخر الزمان. ثم أن الله سبحانه وتعالى بسابق علمه وعظيم حلمه أوجد مع هذه الثوابت مجموعة كبيرة من المتغيرات التي تحيط بالإنسان في كل لحظة من لحظات حياته حتى يتعلم منها أنه لا يدوم إلا وجهه الكريم ولا يبقى من دون تبدل ولا تحول إلا هو وحده لا شريك له، وأنه على جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، أن يتغيروا بموجب هذه المتغيرات ليتمكنوا من مجاراة أحداث حياتهم والتعايش معها.
وتعالوا بنا نتابع القصة من أولها، فأول ما خلق الله من البشر آدم عليه السلام، وبعد أن مكث هو وحواء عليهما السلام في الجنة زمنا في صحة وشباب بلا مرض ولا هرم، وشبع وري بلا جوع ولا ظمأ، وظل وبرد بلا شمس ولا حر، حدث لهما أول تغير هام في مسيرة حياتهما – كما هو معروف من نصوص القرآن الكريم - وهو نزولهما من الجنة إلى الأرض التي فيها المرض والهرم، والجوع والعطش، والحر والبرد، والحياة والموت، ثم أنهما في الأرض كانا يعيشان وحدهما فما لبثا أن رزقهما الله بذرية كبيرة، وكان هذا هو التغيير الثاني الذي مر بهما ثم تتابعت بعده التغيرات فتتابعت التغييرات، لأن كل تغير لابد أن يقابلة تغيير لكي تستمر الحياة.
ولكل واحد منا في حياته مراحل ومحطات، لابد له فيها من أسئلة يوجهها لنفسه ووقفات يقفها أمام روحه وتغييرات يقوم به من أجل حاضره ومستقبله، حتى يتماشي مع السرعة التي تمر بها حياته ويواكب العجلة التي تتسارع بها لحظات حياته، بحلوها ومرها وبضحكها ودمعها وبسرورها وحزنها وبيسرها وعسرها.
كل واحد منا يمارس التغيير في حياته – شاء ذلك أم أبى- ولكن المشكلة الحقيقة تتركز في أننا دائما نسعى إلى تغيير من حولنا وما حولنا (من هنا للعاقل وما لغير العاقل) ونغفل وبشدة عن تغيير أنفسنا، والله سبحانه وتعالى يقول (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، كما أن هناك مقولة جميلة للروائي الروسي العالمى ليو تولستوي المتوفى سنة 1910م، نصها: " الجميع يفكر في تغيير العالم, ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه".
يبدو لي أننا لو تأملنا هذه الكلمات بعمق لاستنتج كل واحد منا أمورا كثيرة وجوانب جديدة كانت غائبة عنه فيما مضى من حياته، ولو تفكر فيما يجب أن يغير في نفسه أولا قبل أن يطلب تغيير العالم، لاكتشف الكثير والكثير. وعندها يكون للكلام وقعا آخر وللنصيحة أيقاع مختلف وللموقف فهم جديد.
أمر أحد الخلفاء أحد علماء عصره – وأحسبه الإمام الحسن البصري رحمه الله - أن يعظ الناس في خطبة الجمعة القادمة أن يعتقوا من عندهم من الأرقاء، فمرت جمعة وثانية وثالثة ولم يعظ الإمام الناس بذلك، وفي الجمعة الرابعة وعظهم، فسأله الخليفة عن سبب إبطائه فيما أمره، فقال: لم يكن عندي أحدا أعتقه وكرهت أن أعظ الناس بما لا أفعل، فانتظرت حتى رزقني الله مالا فاشتريت عبدا فأعتقته لوجه الله ثم وعظت الناس بهذا الأمر.
وقصة أخرى قصيرة فيها حكمة كبيرة، وهي أنه في قديم الزمان خرج أحد الملوك يرافقه وزيره ليتفقدا أحوال الرعية، ولما رجع الملك إلى قصره أحس بألم في قدمية ووجد أنهما قد أصابهما التورم بسبب المشي حافيا- حيث كان هذا هو العرف في ذلك الزمان - فأمر أن تغطى جميع طرقات مملكته بالجلود، وعندها أشار عليه وزيره بأمر أسهل من ذلك، وهو أن يأمر أحد الحرفيين أن يصنع له قطعتين من الجلد يضعهما تحت قدميه كلما أراد الخروج, فاستحسن الملك تلك الفكرة وأمر بها، ومن ذلك الوقت انتشرت عادة لبس النعل – أعزكم الله - المصنوع من الجلد.
وفي الختام، أشكر لكم سعة صدركم، وإني على يقين من عظيم اهتمامكم بقراءة كل ما هو جديد في هذا الموقع المميز، ولولا ذلك ما أطلت، فقد قال أحد الحكماء: من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك، ولا أحسبكم إن شاء الله كذلك.
هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم
أخوكم المحب/ محب الإبداع (أبوعمر)