مامن موسم من مواسم العام يعان فيه الإنسان على أعدائه مثل شهر الصيام ، فعدو الإنسان الأكبر ، وهو الشيطان الرجيم وذريته الملاعين ، يقيدون في رمضان ، ويمكن المؤمن من إلحاق الهزيمة بهم في هذا الشهر الكريم ، ليكون في ذلك دربة له على مواجهتهم في بقية العام ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين " .
فالصيام في رمضان وفي غير رمضان له خصوصية في التضييق على الشياطين ، أما رمضان بذاته فإن عتادة الشياطين لا يضيق عليهم فقط بل يحبس مردتهم حقيقة عن الناس . وبحبسهم يكون العبد المؤمن قد كفي أكبر أعدائه في هذا الشهر و أعين عليه و يبقى في حاجة إلى الاستعانة بالله على الهوى و النفس التي لا تسلسل و لا تكبل .
و المعركة الكبرى للإنسان مع الشيطان لا تنتهي . ولعل في ( هدنة ) رمضان فرصة لالتقاط أنفاس الإيمان لجولات أخرى برغم فيها أنف اللعين و تعان النفس على الصمود أمام نزغه ونفثه ونفخه .
ومن تأمل في معاني الصيام وجد مزيد اهتمام في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان بأمور ثلاثة هي في الحقيقة أمضى الأسلحة ضد الشيطان في أي زمان أو مكان ، وهذه الثلاثة هي : كثرة الذكر المانع من الغفلة ،و الاقتصاد المنافي للإسراف ، وإقبال المرء على إصلاح ذاته ، دون الانغماس فيما لا يعنيه مما يضيع الأوقات و يفوت الطاعات .
فهي إذن ثلاثة أسلحة يستعين بها الإنسان على مواجهة الشيطان الذكر و الاقتصاد و ترك مالا يعنيه ، فالأول و هو الذكر هو مقصود القيام وتلاوة القرآن في رمضان وهو يكسر أكبر مصائد الشيطان وهي الغفلة ، لأن العبد إذا ذكر الله خنس الشيطان ، وإذا غفل وسوس .
والثاني هو الاقتصاد : هو من مقاصد الصيام في رمضان ،وهو يضيع على الشيطان فتنة الإنسان وإشغاله بالفضول :فضول الكلام ، وفضول الطعام ،وفضول المنام ،وفضول النظر وفضول السماع،والفضول هي القدرة الزائد عن المباح ،أوالإسراف في المباح في كل ذلك ، فعدم القصد فيه من أوسع مداخل الشيطان ، ولهذا قال تعالى:.{ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }.
والسلاح الثالث وهو ترك المرء مالا يعنيه : هو مقصود الاعتكاف في رمضان سواء كان الاعتكاف المعهود في المساجد في العشرة الأواخر أو الإنكفاف العام بالنفس عن الناس و الانشغال بعيوبها عن عيوبهم و الاشتغال بمحاسبتها عن محاسبتهم .
إن تكبيل مردة الشياطين فيه تسهيل على المؤمنين بأن يتقوا الشر الأكبر الذي كفاهم الله إياه من الشياطين الكبار ليتفرغوا ها للشياطين الصغار،سواء كانوا من الجن أم من الإنس ،فهي فرصة على كل حال،لا تكرر إلا كل حول لمدة شهر يسلسل فيها المردة ويكبل فيه العتاة.
ويبقى عدوان للإنسان بعد عداوة الشيطان وهما : النفس الأمارة بالسوء ، والهوى المضل ، وللإنسان أيضا عليهما أعوان في رمضان وفي غير رمضان ، فالنفس الأمارة بالسوء يستعان عليها بالقلب الحي السليم الذي ينازعها منازعها و يوجهها إلى وجهات المعالي بترفعه عن سفاف الأمور .
و لا ينبغي الاستهانة بعداوة النفس ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نستعيذ من شرها قبل الاستعاذة من الشيطان نفسه لقربها وخفاء شرها .. فيقول : ( اللهم فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي و من شر الشيطان و شركه و أن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم ) فالشيطان يستدرج الإنسان بما تشتهيه نفسه ، وفي الصيام تدريب على تهذيب شهوات النفس .
" اللهم حصنا بالصوم ، واحمنا بالتقوى ، و أعنا على أعدائنا و قنا شر أنفسنا ....... آمين "
روح الصيام ومعانيه
للدكتور : عبد العزيز مصطفي كامل
تحياتي للجميع ..
سكــــــــــــــون ..