نهاية حكايتي مع جدي الحبيب
أعترافات إمرأة تحترم رجل
سأحدثكم عن جدي الحبيب
هذا هو (الجزء الأخير)
كنت باره به في حياته
وما زلت باره به وهو تحت الثرى
حاولت جاهدة إرضائه بأي ثمن
لا أخفي عليكم
شعرت بالوحشة
عندما أقترب من الهزيع الأخير من العمر
أدعو الله ليل نهار أن يحفظه لنا
أدعو الله أن لا تستسلم قدماه للكبر وتذبل قواه
أدعو الله أن لا يغزو شعره الشيب وتعود ذاكرته للوراء
جدي الذي يكره رائحة المستشفيات
نعم لم يذهب إلى مستشفى بإرادته قط
أنعم الله عليه بالصحة وأمده بطول العمر والثروة
نعم بالثروة كافح من أجل البقاء
دائما كان يردد(سأعمل ما دام في العمر بقية)
كان مثلي الأعلى رمزا للنضال رحمه الله
كنا عندما نتحدث معه
يجب أن نضع الكلمة في موضعها الصحيح
نحترم بعضنا البعض ونتحدث برسمية
لا يروقه رحمه الله سماع صوت عالي
كان رجل ذو مزاج متقلب
قلبه على الرغم من قوته وصلابته يحنو علينا كطفل
لم أرى عيناه تذرف الدمع أبداااا
إلا عند وفاة خالي(أبنه) البعيد عنه مسافة والمقرب بالمنزلة
على الرغم من رحيل شقيقة جدي وزوجته(جدتي الحبيبة)
ولكنه لم يتأثر لفقدهم كما تأثر لفقد خالي(أبنه الحبيب)
سقطت دمعة ساخنة سالت على خده الطاهر
حدث نفسه حزنا تجرع كأس المرارة لفقد فلذة كبده
خارت قواه ولكنه أبداااا لم يستسلم
يا لقسوة الزمان لرحيلهم
ويا لروعة الزمان بتواجده بيننا
رحلة عمر طويلة قضيناها معا
كنت المقربة إليه من بين أخواتي الأثنتين
دائما يردد(أعشق من بينهن الصغرى)
قط لم أقل له جدي كنت أناديه بابا (أبي)
كنت أردد عليه السلام بصوت مسموع
وكان يرد علي السلام وتغمره إبتسامه
قبل الرحيل كان يردد (سأرحل يوما ما أنقضى العمر ودنا الأجل)
وأنا أقول: لا يا جدي لقد رسمت لك بمخيلتي عمرا
ويقول : الأعمار بيد الله يا أبنتي)
كنا قبل ان تغفو عينيه نقبله إحتراما
كان يستيقظ مبكرا ليدير أعماله وليراقب الموظفين
لا يرغب بمد يد العون له كان قويا كفاية لتحمل والصمود
على الرغم من ثروته كل من يراه يجهل من يكون
هذا الإنسان المتواضع نعم عاش جدي على بساط التواضع
وعاش أقرانه على بساط البهرجه والتعالي
ولكن لم تفقده بساطته ثروته وكلمته المسموعة
الله أكبر... يا لذاااك الزمان ما أرووووعه
كان جدي مفعم بالحيوية وكأنه في مقتبل العمر
رحل أصحابه ومن يسامرهم ويقضي معهم اوقاته
كان يتصدق على الفقراء وأعد لهم صدقات جاريه حتى بعد وفاته
قدمت إليه يوما إمرأة فقيرة أذكر ذلك طلبته أن يشتري لها ثوبا للعيد
وأجابها بالقبول ولكنه أشترى لها ثوب أبيض رحمها الله
**************
راودت خيالي أفكار مزدحمةوأنا أخرج من غرفته آخر مره
غرفته التي تفوح منها رائحة المرض
كان نائما مستسلما للموت جسده بارد وعيناه بيضاء
أسبوع أخير مر على جدي وهو طريح الفراش لم أراه هكذا أبداااا طوال حياته
لذا علمت بأنها النهاية جدي الذي عاش ما يقارب95 سنة إن لم يكن أكثر
ولكن هيهات لقد رحل العمر ودنا الأجل رحل جدي بلا عودة كانت نظرتي الأخيرة له
طريح الفراش في غرفته تقاسيم وجهه غير معبرة لوحت له بيدي كالمجنونة
بلا دموع ترددت وكأنني أعانق المكان الذي يحتويه خرجت من المنزل
إلى حيث مدرستي كانت بعيدة ولا يمكنني الوصول إلى جدي إلا في عطلة نهاية الأسبوع
تركته عيناه ترقد بسلام وأنفاسه متقطعه (مات جدي) الله أكبر ... مات حبيبي
لم تخبرني والدتي بخبر وفاته ولكنني حلمت بان منزلنا به جمع عظيم أناس كثر غطت ملامحهم الحزن
يقول زوج اختي:لم أرى أبدااا جنازة بهذا الحشد على الرغم من أن بعض الناس كانوا بأعمالهم وأسفارهم ....الخ
ويحدثني والدي قائلا:ترك جدك في غرفته رائحة زكية سبحان الله العظيم رائحة شمها والدي
من غرفة جدي التي تفوح بالمرض وهذا كرم رباني عظيم ومن عجائب الأمور التي حدثت لنا
جعلتني أبتسم رغم الألم .
رحمك الله يا جدي الحبيب وأسكنك الفردوس
بقلم: بنت المدينة